الخطيب الشربيني

147

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

وقولهم : مِنَّا نعت له أي فلا فضل له علينا فما وجه اختصاصه بذلك من بيننا ، وقولهم : واحِداً نعت له أيضا ، ثم عظموا الإنكار بقولهم نَتَّبِعُهُ أي : نجاهد أنفسنا في خلع مألوفنا وما كان عليه آباؤنا ، والاستفهام بمعنى النفي والمعنى : كيف نتبعه ونحن أشد الناس قوّة وكثرة وهو واحد منّا . ثمّ استنتجوا من هذا الإنكار الشديد قولهم مؤكدين : إِنَّا إِذاً أي : إن أتبعناه لَفِي ضَلالٍ أي : ذهاب عن الصواب محيط بنا وَسُعُرٍ أي : ونيران جمع سعير فعكسوا عليه وقالوا : إن اتبعناك كنا إذا كما تقول ، وقيل : السعر الجنون يقال ناقة مسعورة قال الشاعر « 1 » : كأنّ بها سعر إذا العيس هزها * ذميل وإرخاء من السير متعب ثم استدلوا بأمر آخر ساقوه مساق الإنكار فقالوا : أَ أُلْقِيَ أي : أنزل الذِّكْرُ أي : الوحي الذي يكون به الشرف الأعظم بغتة في سرعة عَلَيْهِ لأنه لم يكن عندهم في مضمار هذا الشأن ، ولا توسموا فيه قبل إشارته به شيئا منه بل أتاهم به بغتة في غاية الإسراع ودلوا على وجه التعجب والإنكار بالاختصاص بقولهم : مِنْ بَيْنِنا أي : وفينا من هو أولى بذلك منه سنا وشرفا ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو : بتحقيق الهمزة الأولى المفتوحة وتسهيل الثانية المضمومة كالواو ، وأدخل قالون وأبو عمرو بينهما ألفا بخلاف عن أبي عمرو ولم يدخل ورش وابن كثير ألفا ، وأمّا هشام فله تسهيل الثانية وتحقيقها وإدخال الألف بينهما مع التحقيق ، والباقون بتحقيقهما مع عدم الإدخال ، وإذا وقف حمزة فله في الثانية التسهيل وإبدالها واوا والتحقيق . ثم أضربوا عن ذلك الاستفهام لأنه بمعنى النفي بقولهم : بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أي : بليغ في الكذب في قوله إنه أوحى إليه ما ذكر أَشِرٌ أي : متكبر بطر غلبت عليه البطالة حتى أعجبته نفسه فتجبر فهو يريد الترفع ، قال الله تعالى : سَيَعْلَمُونَ أي : بوعد لا خلف فيه غَداً أي : في الزمن الآتي القريب وهو يوم القيامة ، لأنّ كل ما حقق إتيانه قريب عند نزول العذاب في الدنيا ويوم القيامة . وقرأ ابن عامر وحمزة بعد السين بتاء الخطاب وفيه وجهان : أحدهما أنه حكاية عن قول صالح عليه السلام لقومه . والثاني : أنه خطاب من الله تعالى على جهة الالتفات ، والباقون بياء الغيبة جريا على الغيب قبله في قوله تعالى : فَقالُوا أَ بَشَراً واختار هذه القراءة مكي ، لأنّ عليها الأكثر . مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ أي : وهو هم بأن يعذبوا على تكذيبهم لنبيه صالح صلى اللّه عليه وسلم ، وروي أنهم تعنتوا عليه فسألوه أن يخرج لهم من صخرة ناقة حمراء عشراء فقال تعالى : إِنَّا أي : بما لنا من العظمة مُرْسِلُوا النَّاقَةِ أي موجدوها لهم ومخرجوها كما اقترحوا من حجر أهلناه لذلك وخصصناه من بين الأحجار دلالة على إرسالنا صالحا عليه السلام : مخصصين له من بين قومه وذلك أنهم قالوا لصالح عليه السلام نريد أن نعرف المحق ، منا بأن ندعوا آلهتنا وتدعو إلهاك فمن أجابه إلهه علم أنه المحق فدعوا أوثانهم فلم تجبهم ، فقالوا : ادع أنت فقال : فما تريدون ؟ قالوا : تخرج لنا من هذه الصخرة ناقة عشراء وبراء ، فأجابهم إلى ذلك بشرط الإيمان ، فوعدوه بذلك وأكدوا فكذبوا بعدما كذبوا في أنّ آلهتهم تجيبهم ، وصدق هو عليه السلام في كل ما قال فأخبره ربه

--> ( 1 ) البيت لم أجده في المصادر والمراجع التي بين يدي .